ابن خلكان
146
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
كأنه جلس للبول فخرج من إحليله نار وارتفعت في السماء وسدت الآفاق وأضاءت الأرض ووقعت بناحية المشرق ، فقصّ رؤياه على عيسى بن معقل فقال له : ما أشك أن في بطنها غلاما ، ثم فارقه ومضى إلى أذربيجان ومات بها . ووضعت الجارية أبا مسلم ، ونشأ عند عيسى ، فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب ، فخرج أديبا لبيبا يشار إليه في صغره . ثم إنه اجتمع على عيسى ابن معقل وأخيه إدريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها عن حضور مؤدّى الخراج بأصبهان ، فأنهى عامل أصبهان خبرهما إلى خالد بن عبد اللّه القسري والي العراقين ، فأنفذ خالد من الكوفة « 1 » من حملهما إليه بعد قبضه عليهما ، فتركهما خالد في السجن ، فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي محبوسا بسبب من أسباب الفساد ، وقد كان عيسى بن معقل قبل أن يقبض عليه أنفذ أبا مسلم إلى قرية من رستاق فاتق لاحتمال غلّتها ، فلما اتصل به خبر عيسى بن معقل باع ما كان احتمله من الغلة وأخذ ما كان اجتمع عنده من ثمنها ولحق بعيسى بن معقل ، فأنزله عيسى بداره في بني عجل ، وكان يختلف إلى السجن ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل . وكان قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب - الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - مع عدة من الشيعة الخراسانية ، فدخلوا على العجليين السجن مسلّمين ، فصادفوا أبا مسلم عندهم ، فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه وأدبه ، ومال هو إليهم ، ثم عرف أمرهم وأنهم دعاة ، واتفق مع ذلك هرب عيسى وإدريس من السجن ، فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء ، ثم خرج معهم إلى مكة ، حرسها اللّه تعالى ، فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد الإمام - المذكور في ترجمة أبيه محمد بن علي وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه - عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ، وأهدوا إليه أبا مسلم ، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه ، وقال لهم : هذا عضلة من العضل . وأقام أبو مسلم عند الإمام إبراهيم يخدمه حضرا وسفرا .
--> ( 1 ) من الكوفة : سقط من ل .